بين الفوضى والتخلي: الآثار النفسية المدمرة للنزاعات التي لا تنتهي

…وما بعرف شو عملنا لننذل هيك…
بس الأكيد، إنو عم نكمل نعيش، رغم كل ش
وهاد، لحالو، نوع من المقاومة

 زياد الرحباني.

تُخلّف النزاعات المسلحة المستمرة آثاراً نفسية عميقة، دائمة، وغالباً ما تكون غير مرئية داخل المجتمعات المدنية. ففي سياقات مثل غزة، السودان، أو جمهورية الكونغو الديمقراطية، يؤدي تكرار أعمال العنف، التهجير القسري وتدمير البُنى الصحية إلى هشاشة نفسية جماعية يصعب قياسها، لكنها موثقة بشكل واسع في الأدبيات الطبية والإنسانية. وتندرج هذه الحالات في ديناميكيات حربية تُهمَّش فيها الصحة النفسية، رغم كونها عنصراً أساسياً في البقاء، والقدرة على التحمّل، وإعادة البناء الاجتماعي.

معاناة نفسية راسخة : غزة، السودان، والكونغو : ثلاثة صراعات كبرى بمعاناة غير مرئية

في غزة، أدّت الإبادة الجارية منذ أكتوبر 2023 إلى إدخال السكان في حالة من الصدمة النفسية الممتدة

وفقاً لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، فإن أكثر من 1.9 مليون شخص نزحوا داخلياً من أصل2.3 مليون نسمة،. (UN OC، 2024). وفي تقرير لمنظمة أطباء بلا حدود (2024)، تحدّث العاملون في القطاع

مما زاد من حدّة الفقر وعدم الاستقرار النفسي

الصحي عن معاناة عقلية واسعة النطاق، تتجلى في أعراض اضطراب ما بعد الصدمة، القلق المعمّم، نوبات الهلع، أو الخدر العاطفي. الأطفال هم الأكثر هشاشة، ويظهر عليهم الأرق، العدوانية أو الصمت الكامل « العائلات تعيش تحت القصف منذ شهور، دون راحة
أو أمل في عودة الحياة الطبيعية. كيف لعقل بشري أن يتحمّل هذا الضغط المستمر؟ »، يتساءل أحد الأطباء النفسيين المحليين

أما في السودان، فقد تسببت الحرب الأهلية بين الجيش وقوات الدعم السريع في انهيار مفاجئ للنظام الاجتماعي. ووفقاً لتقرير منظمة العفو الدولية (2025)، فإن أكثر من 12 مليون شخص، أغلبهم من النساء، معرضون اليوم للعنف الجنسي، في ظل تدمير المرافق الصحية وتهجير داخلي يتجاوز 9 ملايين نازح. وتُظهر دراسة حديثة نُشرت في مجلة BMC Psychology (2024) أن 64٪ من الأشخاص الذين يعيشون في مناطق النزاع يعانون من أعراض اضطراب ما بعد الصدمة، بينما 38٪ يعانون من اضطرابات قلق حادة. وعلى الرغم من نقص البيانات، تعكس هذه الأرقام حجم الصدمة الجماعية الناتجة عن غياب الأمن والحماية الإنسانية. وتُعدّ النساء الفئة الأكثر تأثراً، حيث يعانين من عنف قائم على النوع الاجتماعي، وآثاره النفسية العميقة والتي نادراً ما يُعترف بها أو يُعالج

وفي جمهورية الكونغو الديمقراطية، تسببت الصراعات المسلحة المستمرة منذ أكثر من عشرين عاماً في أزمة إنسانية غير مسبوقة. فمنذ يناير 2025، قُتل أكثر من 7000 شخص في محافظتي شمال وجنوب كيفو، وتم تهجير أكثر من 700 ألف شخص في غضون أشهر قليلة. ووفقاً للجنة الإنقاذ الدولية (IRC)، بين عامي 1998 و2007، تُوفي نحو 5.4 مليون شخص نتيجة النزاع، ويُقدّر أن العدد قد تجاوز الآن 6 ملايين، ما يجعل هذه الأزمة من الأكثر دموية منذ الحرب العالمية الثانية. وتُوثق تقارير دورية، أبرزها صادرة عن منظمة العفو الدولية ومجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، المجازر ضد المدنيين، الاغتصاب الممنهج، التهجير القسري، وتجنيد الأطفال. ويصف الباحث كاسيريكا بيندو (2021) هذا السياق بأنه « تطبيع للرعب »، حيث تتحول المعاناة النفسية إلى صمت داخلي وتُنقل من جيل إلى آخر. يتجلى أثر الصدمة العابرة للأجيال من خلال انتقال غير مرئي للمعاناة النفسية إلى الأبناء والأحفاد، ما يؤثر على الروابط الأسرية، والذاكرة الجماعية، والعلاقة بالذات. وتُقدّر منظمة الصحة العالمية أن في الكونغو الديمقراطية، (WHO، 2023) يعاني 2.2 مليون شخص من اضطرابات نفسية شديدة، لكن أقل من 2٪ منهم فقط يتلقون شكلاً من أشكال العلاج المتخصص

آثار نفسية عميقة لكنها غير مرئية

لا تظهر الصدمات النفسية الناتجة عن الحروب دائماً في صورة أعراض نفسية تقليدية. يشير العديد من الباحثين إلى أهمية أشكال المعاناة الصامتة، التي غالباً ما تكون جسدية (جسدية نفسية) أو مقنّعة ثقافياً، خصوصاً في السياقات التي تظل فيها الصحة النفسية من « المحرمات الاجتماعية » (Rousseau & Drapeau، 2003). في مناطق الحرب المزمنة، تتجلى الأعراض النفسية في آلام جسدية مزمنة، اضطرابات في السلوك، تجنّب اجتماعي، أو انغلاق عاطفي. يتراجع الجهاز النفسي، ينفصل، ويحاول التكيّف مع بيئة تسودها الهشاشة وعدم الأمان المستمر


وفي دراسته حول آثار الصدمة الناتجة عن الحرب، يتحدث الطبيب النفسي الأسترالي ألكسندر سيلوف (1997) عن « ثلاثة أنواع من الانقطاع » تسببها النزاعات المسلحة : انقطاع في النسيج الاجتماعي، انقطاع جغرافي، وانقطاع في استمرارية الحياة النفسية. تؤدي هذه الانقطاعات إلى انهيار في إدراك الزمن، والذاكرة، والقدرة على إضفاء المعنى على التجربة الصادمة. ففي غزة، على سبيل المثال، عاش بعض الأطفال تحت سن العاشرة اكثر من خمس حروب دون أن يعرفوا طعم السلام. هذه الحقيقة تؤثر بشكل عميق على تطورهم العاطفي وعلاقتهم بأنفسهم وبالعالم


فالحرب لا تجرح الأجساد فحسب، بل تكسر الخيال و الأمل. في المناطق التي تعرف صراعات ممتدة، يتحول التروما إلى نظام دائم، إلى مرض اجتماعي بقدر ما هو فردي. وتكتب الباحثة جولي شابون : «الأمر لا يقتصر على تراكم الجراح النفسية، بل يصل إلى حد الانهيار الجماعي للذات » (The Conversation، 2024). وعلى الرغم من انتشار هذا الألم على نطاق واسع، إلا أنه غالباً ما يُهمّش في التغطيات الإعلامية الدولية، ولا يُؤخذ بجدية كافية في استجابات الطوارئ الإنسانية

ولكن، ماذا سيحل بأطفال هذه الحروب عندما يكبرون ؟ كيف سيُعيدون بناء ذواتهم في غياب مرجعيات آمنة أو روايات جامع ؟

رعاية نفسية شبه غائبة

أمام هذا الكمّ من المعاناة، تبدو آليات الرعاية النفسية غير كافية إلى حدّ مقلق. ففي غزة، دُمّرت البُنى التحتية للصحة النفسية أو أُجبرت على الإغلاق. ووفقاً لمنظمة أطباء بلا حدود (2024)، أصبح من شبه المستحيل تقديم رعاية نفسية مستمرة، بسبب انعدام الأمان، نقص المواد الأساسية، أو غياب الكوادر المتخصصة. حتى الأخصائيين النفسيين المحليين يعانون من آثار الصدمة الجمعية، ويعملون في ظروف قاسية، دون إشراف أو فترات استراحة


في السودان، فالوضع أكثر حدة : أُغلقت تقريباً كل المستشفيات النفسية، والمنظمات الإنسانية القليلة المتبقية على الأرض تصطدم بعوائق الأمن، والنزوح، وندرة التمويل. وتشير دراسة للمركز العالمي لمسؤولية الحماية (2024) إلى أن أقل من 5٪ من الناجين من العنف الحاد يحصلون على دعم نفسي، وتنخفض هذه النسبة إلى 1٪ فقط في المناطق الريفية


أما في الكونغو الديمقراطية، هناك محاولات محلية مثل جهود « مؤسسة بانزي » لتوفير دعم نفسي شامل للنساء الناجيات من العنف، لكن هذه المبادرات تبقى محصورة في مناطق محدودة، وعاجزة عن تلبية الحاجات الهائلة. في غياب سياسة وطنية للصحة النفسية، بالإضافة إلى هشاشة المنظومة الصحية، يجعل من بناء استجابات مستدامة مهمة شبه مستحيلة

ولا تكمن صعوبة الوصول إلى العلاج النفسي فقط في الميدان، بل تتجلى أيضاً في شكل من أشكال التجاهل الإعلامي، حيث تكافح بعض المعاناة الجماعية للظهور في الفضاء العام العالمي

فرط المعلومات وتراتبية المآسي

رغم فداحة الكوارث الإنسانية في غزة، السودان، والكونغو الديمقراطية، إلا أن حضورها في الإعلام والوعي العام الدولي ليس على قدم المساواة. هذا التفاوت يثير إشكاليتين مترابطتين

 أولاً، تدفق المعلومات المتسارع يشتّت الانتباه الجماعي؛ وثانياً، لا تُمنح جميع النزاعات المساحة الإعلامية ذاتها، مما يكرّس تراتبية ضمنية في تعاطينا مع الألم

تخمة المعلومات و الإرهاق العاطفي

يشهد العصر الرقمي المعاصر تدفّقاً دائماً وسريعاً وغير مضبوط للمعلومات. ويُطلق بعض الباحثين على هذه الظاهرة مصطلح « تخمة المعلومات » (infobésité)، والتي تعني الإرهاق المعرفي الناتج عن فيض متواصل من الأخبار والصور والروايات، بدون تنظيم أو سياق. وتشير دراسة حديثة نُشرت في مجلة Frontiers in Psychology إلى أن هذا الفيض يرتبط بارتفاع مستويات القلق، والإرهاق الذهني، وتراجع القدرة على التذكّر أو تحديد الأولويات (Wang وآخرون، 2023)


في ما يخص النزاعات المسلحة، تؤدي هذه التخمة إلى تأثيرات عكسية على التفاعل العاطفي والسياسي مع الأحداث. فكلما طال أمد العنف، قلّ التركيز الجماعي عليه. وتوثّق دراسات حول « إرهاق التعاطف » هذا التناقض : تكرار الفظائع لا يزيد بالضرورة من التضامن، بل قد يؤدي إلى تخدير أخلاقي تدريجي. للانتباه البشري طاقة محدودة ؛ يتشتت، يضعف، بل قد ينهار تحت وطأة التصفح المتواصل

كما أشار الفيلسوف برنار ستينيغر، فإن « مخزون الانتباه » يختزل علاقتنا بالعالم إلى نبضات سريعة تخطفها الخوارزميات، حيث تسود العاطفة على التحليل (Stiegler، 2004)

وتُظهر أرقام تقرير الأخبار الرقمية لعام 2024 الصادر عن معهد رويترز أن 38٪ من المستخدمين يتجنبون الأخبار عمداً، خاصة تلك التي توصف بأنها « سلبية جداً »، « مكرّرة »، أو « بعيدة ». هذه التعبئة الانتباهية المرهَقة تدفع الكثيرين للعزوف عن الشأن الدولي، خاصة حين لا يمسّهم مباشرة (YouGov، 2024).